ملا محمد مهدي النراقي

317

جامع الأفكار وناقد الأنظار

والأشاعرة اثبتوا الكسب للعباد ، فقالوا : ان تعلّق قدرتهم وارادتهم بسبب عادي لخلق اللّه - تعالى - الفعل فيهم من غير أن يكون منهم تأثير أو مدخل في وجوده غير كونهم محالّا ومظاهر له ، فجميع الأفعال عندهم مستندة إلى اللّه - تعالى - . إلّا أنّها تصدر عنه عقيب إرادة لعبد من غير مدخلية للعبد وارادته فيها ، بل عادة اللّه جارية باصدارها مقارنة لإرادة العبد . وأرادوا « بكسب العبد » تلك المقارنة - أي : مقارنة صدور الافعال من اللّه لقدرة العبد وارادته من غير أن يكون هناك تأثيرا ومدخلا في وجوده سوى كونه محلّا له - . ولا ريب انّ ذلك مع كونه خلاف الضرورة والبداهة - لأنّ الضرورة حاكمة باستناد افعالنا إلينا - مستلزم للجبر وبطلان الثواب والعقاب . والمعتزلة قالوا باستنادها إلى العبد من غير مدخلية للواجب وهو القول بالتفويض ، وهو يوجب كونها مستندة إلى الجهة المستندة إلى الممكن - أي : العدم والقوّة - . وقد ثبت انّهما لا يصيران منشئا للفعلية والوجود . لا يقال : انّ غرضهم من استنادها إلى العبد أنّها مستندة إليه من جهة المستندة إلى اللّه - أعني : قدرة العبد وارادته وغير ذلك ممّا هو مترتب على فعليته ووجوده الّذي هو فائض من اللّه - تعالى - ؛ لأنّا نقول : هذا التوجيه لا يلائم التفويض والمعتزلة القائلون به لا يقولون به ، كيف وعلى ذلك يكون هذه الأفعال مستندة إلى اللّه وهم يتحاشون عن استنادها إليه - تعالى - ولو بوجه ؟ ! ، بل هو من أحد التوجيهات الّتي ذكرها أصحابنا الامامية القائلون بالأمر بين الأمرين - الّذي ورد عن ائمّتنا الراشدين سلام اللّه عليهم أجمعين - . قال بعض أصحابنا : فان قيل : إذا كان التأثير في الكلّ من اللّه فالعباد مجبورون ، فيكون التكليف لغوا ! ؛ قلنا : لا منافاة بين ما حكم عليه البرهان واقتضاه وبين كون العبد فاعلا بالاختيار الّذي هو مناط صحّة التكليف والثواب والعقاب ، لأنّ ما دلّ عليه البرهان هو أنّ مفيض الفعلية والوجود لا يكون إلّا الواجب ، لا أنّه لا يكون ممكن موقوفا عليه بالنسبة إلى ممكن آخر ولا يكون ممكن جزء علّة لممكن آخر ، إذ لا يلزم من عدم